محمد هادي معرفة
139
التمهيد في علوم القرآن
ثمّ أنّ سلب العلوم يمكن تنزيله على وجهين ، أحدهما أن يقال : إنّ تلك العلوم كانت حاصلة لهم على جهة الاستمرار ، لكن اللّه تعالى أزالها عن أفئدتهم ومحاها عنهم . وثانيهما أن يقال : إنّ تلك العلوم ما كانت حاصلة لهم ، خلا أنّ اللّه تعالى صرف دواعيهم عن تجديدها مخافة أن تحصل المعارضة . التفسير الثالث : أن يراد بالصرفة أنّ اللّه تعالى منعهم بالإلجاء على جهة القسر عن المعارضة ، مع كونهم قادرين وسلب قواهم عن ذلك ، فلأجل هذا لم تحصل من جهتهم المعارضة ، وحاصل الأمر في هذه المقالة : أنّهم قادرون على إيجاد المعارضة للقرآن ، إلّا أنّ اللّه تعالى منعهم بما ذكرناه . . . « 1 » . وحاصل الفرق بين هذه التفاسير الثلاثة ، أنّ الصرف - على الأوّل - : عبارة عن عدم إثارة الدواعي الباعثة على المعارضة . كانوا مع القدرة عليها ، ووفرة الدواعي إليها ، خائري القوى وخاملي العزائم عن القيام بها ، وهذا التثبيط من عزائمهم وصرف إرادتهم ، كان من لطيف صنعه تعالى ، ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون . وعلى التفسير الثاني ، كانوا قد أعوزتهم عمدة الوسائل المحتاج إليها في معارضة مثل القرآن ، وهي العلوم والمعارف المشتمل عليها آياته الحكيمة ، حتّى أنّهم لو كانت عندهم شيء منها فقد أزيلت عنهم ومحيت آثارهم عن قلوبهم ، أو لم تكن عندهم ولكنّهم صرفوا عن تحصيلها من جديد خشية أن تقوم قائمتهم بالمعارضة . وعلى الثالث ، أنّ الدواعي كانت متوفّرة ، والأسباب والوسائل المحتاج إليها للمعارضة كانت حاضرة لديهم ، لكنّهم منعوا عن القيام بالمعارضة منع إلجاء ، وقد أمسك اللّه بعنان عزيمتهم قهرا عليهم رغم الأنوف . قلت : والمعقول من هذه التفاسير - نظرا لموقع أصحاب هذا الرأي من الفضيلة والكمال - هو التفسير الوسط ، لكن بمعنى أنّهم افتقدوا وسائل المعارضة
--> ( 1 ) الطراز : ج 3 ص 391 - 392 .